آفاق ورؤي لمستقبل الرياضة المدرسية
أ.د/ميرفت على خفاجة
حقوق الطبع والنسخ والتوزيع خاصة بالشبكة
يلحظ المهتمون بالنواحي التعليمية والتربوية ان هناك جهودا كبيرة لوزارات التربية والتعليم في الدول العربية المختلفة ومحاولاتها المستمرة لتطوير وتحسين المنظومة التعليمية والتربوية إدارياً وفنياً في فترات زمنية مختلفة وخصوصاً في السنوات العشر الأخيرة وهي جهود وان لم تحقق الطموحات المأمولة إلا أنها جعلت التعليم قضية وطنية تحظي بالاهتمام الكبير .
ويواجه الوطن العربي تحديات متلاحقة تتمثل في مسايرة الثورة العلمية والتكنولوجية لذا كان من الأهمية ان تتفاعل العملية التعليمية مع التقدم لما له من تأثير مباشر علي الحياة الاجتماعية والمتغيرات الثقافية بالمجتمع . لذا كان لزاماً علينا إعادة بناء العقل العربي لاستيعاب ثورة المعلومات في تطبيق اساليب التكنولوجيا وتطويرها وهذا يتطلب ايجاد أساليب حديثة للتعليم بصفة عامة وتعليم الرياضة المدرسية بصفة خاصة وإعادة هيكلة المناهج وتحديثها لتلائم التقدم الحادث في عالمنا حتي تدخل الرياضة المدرسية المنافسة في الأسواق العالمية .
وللتربية دور هام في توفير المزيد من المرونة للنظم التعليمية والتأكيد علي النمو العلمي الذاتي للأفراد لمواصلة الارتقاء بالمستوي العلمي ونظراً لان التربية الرياضية هي جزء من التربية العامة لذا فان الرياضة المدرسية والتربية الرياضية لها نفس الدور حتي يمكن مواكبة متطلبات العصر الحديث .
لذا فان النهضة الحقيقية في المجتمع لا تتم بدون اعادة النظر في النظام التعليمي كله ومناهج التربية الرياضية علي وجه الخصوص من حيث المحتوي والهدف لان التعليم هو السبيل للتحكم في مسار التنمية ورسم خريطة المستقبل حيث لابد من تحويل مناهج الرياضة المدرسية .
من الجمود الي المرونة
ومن التجانس الي التنوع
ومن ثقافة الحد الأدني الي ثقافة الاتقان والجودة
ومن ثقافة الاجترار الي ثقافة الابتكار
ومن ثقافة التسليم الي ثقافة التقويم
ومن السلوك الاستجابي الي السلوك الايجابي
ومن القفز الي النواتج الي المرور بالعمليات
ومن الاعتماد علي الآخر الي الاعتماد علي الذات
ومن التعلم محدود الأمد الي التعلم مدي الحياة
وذلك من اجل مواجهه تحديات الألفية الثالثة ونتائج ثورة المعرفة .
ويحضرني توصيف للمناهج الدراسية جاء علي لسان احد خبراء التعليم الطبي فقد وصف المناهج التعليمية بانها اصابتها العديد من الامراض منها علي سبيل المثال :
- مرض سرطان المناهج : وهي تتصف بالتضخم غير المتحكم فيه لجزئيه او فقره من فقرات المنهج علي حساب الأخري .
- مرض التصلب المزمن : حيث الثبات والجمود والسكون في المناهج مثل المادة الصلبة .
- مرض التهاب المفاصل الروماتزمي : وهو مرض يسبب العجز والوهن حيث لا يوجد انسجام في اجزاء المنهج .
- مرض الالتهاب الوراثي : فهو حين تقوم الوزارات المعنية بالمناهج بتوريث المناهج القديمة المعلولة ثم يعجز المسئولون عن تطوير المنهج عن إدراك الضعف والعجز الحاصل في المناهج القديمة وتطويرها .
ومن هنا ظهرت موسوعة للأمراض والعلل التي أصابت مناهج الرياضة المدرسية .
والسؤال الذى يطرح نفسة هو
هل ان الاوان لتطوير وتحديث وتغيير المناهج في مدارسنا ومؤسساتنا الرياضية للسعي
قدماً بالعملية التعليمية لمواكبة التطورات العالمية ؟
وقد جاء الرد علي هذا التساؤل بما يلي :
اولا : اجماع المتخصصين والقائمين علي الشأن التربوي في الجامعات والمدارس علي ضرورة ان تلبي البرامج التعليمية وتساير التقدم الحاصل في تكنولوجيا المعلومات والاتصال .
ثانيا : مضاعفة الحاجة والبحث عن اختصاصين جدد في الرياضة المدرسية يتميزون بقدرة كبيرة علي استخدام التقنيات الجديدة والتفاعل معها .
ومن هنا كان لزاماً علي القائمين علي وضع مناهج الرياضة المدرسية ان يبادروا بتطوير المناهج التعليمية وان يتحول نظام تعليم التربية الرياضية من : 1- نقل المعرفة الى استحداث المعرفة .
2- توفير عملية التدريب والتأهيل المستمر للمعلمين في هذا المجال .
وفي الواقع الحالي للبرامج التعليمية نلاحظ انه لا يكفي ان تكون مناهج تعليم الرياضة المدرسية متطورة لتؤمن تعليماً جيداً ولتحقق جودة في التعليم ، بل الأهم من ذلك يكمن في الآتي :
1- توفير معلمين أكفاء يمكنهم تعليم هذه البرامج للطلاب .
2- قدرة هؤلاء القائمين علي التعليم علي توفير المواد التعليمية من برامج تدريب واعمال تطبيقية وأدوات مساعدة وبديلة لتسهيل التعليم .
3- استخدام وسائط تعليمية وطرق وأساليب تدريس وتقويم مناسبة واجراء امتحانات مناسبة .
هذه الأمور جميعها تتعلق بكفاءة الأساتذة والمعلمين وتبين مدي تعمقهم بالمواد المناط بهم تدريسها وخبرتهم في مجال التعليم .
وهذا الأمر يأخذنا الي موضوع هام وخطير يجب ان نؤكد عليه الا وهو .
الاستثمار في العملية التعليمية ودوره في التطوير :
ان اعظم استثمار في العملية التعليمية هو الاستثمار في أسس ولب هذه العملية الا وهو المعلم فلا قيمة لمنهج مطور وحديث وأستاذه ضائع – ولا قيمة لأساليب تعليمية حديثة ولا نملك من يحسن ويجيد استخدامها .
وأطرح الموضوع من زاوية أخري لنفرض :
- اننا قمنا بتطبيق أحدث نظام للمرور .
- ووفرنا أحدث الطرق بأحدث المواصفات
- ووضعنا الإشارات المرورية اللازمة واللوحات الارشادية الضرورية .
- وتم توفير نظم مراقبة صارمة لرصد جميع المخالفين والمتجاوزين لانظمة المرور .
- ووفرنا نظم عالية لصيانة السيارات .
- ومنعت السيارات القديمة من السير في الشوارع .
السؤال :
هل تستطيع ان نقول ان المعاناة من حوادث المرور ستختفي ؟
الاجابة : بالطبع لا ولكن سوف يتحسن الوضع نوعاً ما
السؤال : لماذا ؟
الإجابة : لأنه لم يتم التخطيط والعمل علي رفع مستوي الوعي والذوق وأداب القيادة عند قائدي السيارات........ وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم فنحن نستطيع :
1- ان نحصل علي أفضل المناهج الموضوعة من افضل بلدان العالم وأكثرها تقدماً في الرياضة المدرسية .
2- ان نطبق أحدث أساليب التعليم وتقنياته .
3- أن نوفر في المدارس أحدث الأجهزة .
4- أن نوفر الحاسبات وآخر ما توصل إليه علم الاتصالات .
5- أن نبني مدارس فارهة يتوفر فيها العديد من الملاعب والصالات .
6- نجهز ملاعب وقاعات وصالات مغطاه ومكتبات علي أحدث طراز .
ولكن قبل ان تصرف الملايين علي تطوير كل ما سبق يجب أن نخطط ونفكر في كيفية إعادة تأهيل المعلمين ، تأهيلهم تربوياً وثقافياً تأهيلاً لا علاقة له بتخصص وشهادته ولكن تأهيل يركز علي غرس :
- مفاهيم وتصورات عن المعلم والتفكير العلمي .
- كيف يعلم الاستاذ بفاعلية
- يغرس مهارات وآليات التعليم المستمر لديه ولدي طلابه .
- ان يعرف ما هو التعلم السطحي وما هو التعلم العميق .
- كيف يطور المعلم نفسه .
- ما هو التقييم وما هو الهدف منه وكيف يتم .
- لذا يجب أن يكون التطوير هدفه أساساً هو الاستثمار في العنصر البشري كونه اساس ووسيلة وهدف التنمية لنتمكن من بناء المواطن الصالح القادر علي الاعتماد علي ذاته .
- وإذا أردنا أن نواكب التطورات العالمية في مجال تعليم الرياضة المدرسية ونصلح من مسار العملية التعليمية ونسعي للكيف علي حساب الكم فيجب ان نولي اهتمام بمعلم التربية الرياضية من ناحية التدريب والتطوير المهني .
ومن منظوري الشخصي فان الاستثمار في الأشخاص لدفع كفاءة العملية التعليمية يتم عن طريق :
1- بناء شخصية الطالب وتلقية المعارف وتنمية الابداع في شخصيته .
2- عمل المؤسسات علي تقديم تعليم تطبيقي يسمح للخريج بالدخول الي عالم العمل .
3- تقوم المؤسسات التعليمية بتقديم التسهيلات اللازمة للمعلم للقيام بأعمال التدريب والتأهيل المهني .
4- انشاء مراكز للخريجين بهدف دعم ومتابعة توجهاتهم في مجال البحث والتطوير .
5- تعتمد المؤسسات التعليمية الأدوات والطرائق التي توفر تقنيات المعلومات كوسيلة لاغفاء وتحسين العملية التعليمية .
6- استثمار الامكانات التي تتيحها تقنية المعلومات من أجل تحسين مستوي حياة المعاقين والأقل حظا في المجتمع .
الطريق الي تطوير مناهج الرياضة المدرسية :
ان تطوير التعليم يجب ان يركز علي خطة استراتيجية مبنية علي رؤية مستقبلية واضحة ومحددة بجدول زمني لتطبيق مشاريع التطوير يراعي فيها توجيه الاهتمام بالجودة النوعية لجميع عناصر تعليم الرياضة المدرسة وتتمثل هذه العناصر في الآتي :
- أهداف التربية الرياضية ومناهجها والمواد التعليمية التي تقدمها للمتعلمين .
- المعلم بكفاياته الفنية وقدراته علي التدريس وأساليب التقويم المتنوعة الشاملة التي تقيس مدي تحقق الأهداف .
- توفير البيئة الاساسية للعملية التربوية والتعليمية مع التركيز علي زيادة مستوي كفاءة المدخلات والمخرجات التعليمية وان تكون بيئة التعلم مرنة محفزة علي التعلم .
- بناء المتعلم والفرد الصالح المحب لدينه ووطنه وتنمية قدراته علي التفكير والابداع وليس الاستظهار والاسترجاع للمعلومات وأن تسمح له بيئة التعلم بالتدريب علي مهام التعلم كما يعمل المهنيون والخبراء في بيئة العمل الواقعية بهدف القضاء علي المعرفة الهشة لأن المعرفة الهشة مفقودة سرعان ما ينساها المتعلم .
ولدعم جهود التطوير يجب الا ترسم خطط التطوير بمعزل عن الميدان حتي لا تتعرض هذه الخطط للاخفاق لذا سوف نرصد بعض السلبيات التي واجهت كثير من خطط ومشاريع التطوير في الوطن العربي ونحاول وضع الحلول والايجابيات سعياً وراء تحقيق الفائدة المرجوة من التطوير المنشود في مجال الرياضة المدرسية
السلبيات الحلول
- وضع خطط كبيرة في طموحاتها وعالية في سقف توقعاتها في ظل غياب المعلومات عن الوضع الراهن . - معرفة وتحديد المعلومات عن الواقع الفعلي للرياضة المدرسية بكل مكوناتها المادية والبشرية – وتوفير الدعم الضروري لهذه الخطط من خلال توفير جميع متطلبات التنفيذ الناجح .
- تداخل الأولويات وعدم وضوح الخطوط الفاصلة بينها . - تحديد محاور الاهتمام ونقاط التركيز في الخطة حتي تؤتي ثمارها في رفعه شأن الرياضة المدرسية .
- محاولة تفعيل التغيير التربوي قسراً في الميدان دون النظر إلي العوامل المؤثرة في التغيير حيث ان التغيير مرتبط بنسيج متكامل يصعب فصله . - تهيئة البيئة المناسبة والخاضعة للتغيير سواء مادياً أو بشرياً ووضع منهج للتفكير الكلي لمشكلة الرياضة المدرسية والإصلاح الكلي وليس الجزئي والدراسة المتعمقة لشبكة العلاقات والتفاعلات فيما بينها حتي لا يكون التأثير محدود ولفترة زمنية قصيرة .
- وضع برامج وخطط التطوير علي الورق وبحماس في ظل قصوروغياب متطلبات إدارة التغيير في مرحلة التنفيذ . - ضرورة إتقان القيادات التربوية لمهارات إدارة التغيير ولضمان ثبات وإستمرار التطوير كما يجب استمرار المتابعة والدعم الفني والتعليمي لأن معرفة المناهج المراد تغييرها يمثل نصف الحقيقة لكن إدارة هذا التغيير والتطوير يمثل النصف الآخر من الحقيقة.
الإطار العام للتطوير
إن ما يواجهنا عند وضع أساليب حديثة لتطوير الرياضة المدرسية ليس مجموعة من المشكلات ولكنها نظم من المشكلات ، لذلك نجد أن كل جزء من المشكلة له علاقة ومرتبط بجزء آخر ولا يمكن اصلاح عنصر وفصله عن باقي العناصر لأن ذلك يعتبر فكر احادي النظر يركز علي اصلاح جزء في جسد الرياضة المدرسية دون تكييف او تعديل في الأجزاء الأخري ذات العلاقة والارتباط الوثيق وتخرج الرياضة المدرسية بمخرجات محدودة ولفترة زمنية قصيرة ما تلبث ان يتم استبدالها باخري . لذلك لابد من اتباع النقاط التالية للبدء في تطوير الرياضة المدرسية :
1- تنمية الموارد البشرية وتقوية البنية الاساسية .
2- زيادة المخصصات ومصادر التمويل للرياضة المدرسية من ميزانيات مخصصة للنشاط الرياضي والتدريب وتوفير الأجهزة والأدوات وما الي ذلك .
3- الاهتمام ببرامج التعليم والتدريب وطرق التقويم .
4- خلق مناخ علمي للبحث والتطوير والابتكار .
5- توجيه وإدارة وربط الأنشطة بالاحتياجات القومية للرياضة ورعاية الموهوبين .
6- تطوير أساليب التدريس والتعليم والتقويم باستخدام التقنيات الحديثة ومشاركة المتعلم في البحث عن المعلومة وتنظيمها وتوظيفها .
7- اعادة النظر في اللوائح والخطط التدريسية .
وبناء علي ما تقدم نستطيع ان نحدد عناصر التطوير وتحديث الرياضة المدرسية والمتمثلة :
1- تعظيم الاستفادة من الكوادر العلمية من خلال :
الاستفادة من الاساتذة المرموقين لقيادة برامج التطوير والعمل علي قيام مدارس رياضية متخصصة .
2- تحديث الإدارة وذلك من خلال :
الاعتماد علي ذوي الكفاءات المرموقة في تولي قيادة المشروعات وتحديد معايير أداء قومية للمؤسسات التعليمية .
3- تطوير البرامج التعليمية من خلال :
مراجعة مقررات الرياضة المدرسية والاهتمام بالنواحي المهارية والتدريبية وعقد دورات تعليم وتدريب مستمر في المجالات الحديثة للرياضة المدرسية والتأكيد علي استخدام طرق التعلم الذاتي.
4- التدعيم المؤسسي :
ويقصد به دراسة الوضع الراهن للمدارس في مراحل التعليم المختلفة وإعادة النظر في لوائحها وخطط التدريس وتطوير هيكل ونظم المكافأت والبدلات وجميع السياسات التي تنظم العمل المدرسي والتوسع في استخدام الأجهزة التكنولوجية والحاسب الآلي وتوفير البرامج الخاصة بتعليم الأنشطة الرياضية المدرسية المختلفة .
ولتفعيل مناهج الرياضة المدرسية في ضوء عناصر التطوير السابقة لابد من :
1- توظيف هذه المناهج وأساليب التعلم التعاوني لتنمية مهارات الاتصال والابتكار والتفكير واتخاذ القرار وغيرها من المهارات التي يحتاجها المتعلم للعمل والحياة في الألفية الثالثة .
2- مصادر تعليمية متنوعة وغنية لدعم تعلم المهارات المذكورة ومهام يدرسها المتعلم في سياقات تشابه السياقات الواقعية .
3- مناهج تكاملية ومدمجة تركز علي الفهم المتعمق للمحتوي بدلاًَ من الفهم السطحي والاستعراض السريع لمناهج مطولة .
4- أساليب تقويم بديلة تركز ليس فقط علي قياس منتج التعلم وإنما قياس فاعلية التعلم وكفاءته .
وإذا تم تفعيل مناهج الرياضة المدرسية فسنجد خريجين متميزين .
- قادرين علي متابعة تعليمهم والاستمرار في التأهيل طوال الحياة .
- لديهم القدرة علي العمل مع آخرين كفريق عمل .
- قادرين علي الحصول علي المعرفة المتعددة من المصادر والجوانب المختلفة .
- لديهم القدرة والمساهمة في الابتكار والابداع .
- قادرين علي مواجهة المشكلات وحلها .
- متوائمين مع سوق العمل وحاجات المجتمع .
وبذلك قد يتحقق هدف الخطة وهو الاستثمار في العنصر البشري حيث هو اساس ووسيلة وهدف التنمية والتطور وبناء المواطن الصالح .