التطبيقات التربوية
لنظرية التلقى عند لويز روزينبلات
د. كريمة مطر المزروعي
كلية التربية- جامعة الإمارات
العربية المتحدة
حقوق النسخ و الطبع و التوزيع و النشر محفوظة للمؤلف
مقدمة:
احتفلت روزينبلات بميلادها المئة في إبريل الماضي قبل أن تودع الدنيا تاركة موروثا تربويا أثيرا. عرفت روزينبلات منذ ظهورها في الساحة الأكاديمية كناقدة ومؤرخة ولكنها برزت كتربوية. منذ ظهور كتاب "الأدب كاستكشاف" (1938) لروزينبلات وهو يعد من أهم كتب مكتبة معلم اللغة ومهاراتها. لقد كان الكتاب ومازال من أهم الكتب وأبرزها منذ كتابته و على مدي سبعة عقود متتالية.وهو كتاب فعال للنقاد وسابري أغوار النص، و فكرة الكتاب تدور حول نظرية التلقى وانعاكاساتها على التربية وكيف يمكن أن يستفيد منها المعلم في صفه. نظرية التلقي عند لويز روزينبلات تخالف النمط العام حينئذ 1930-1950 أن النص هو المركز والأساس في عملية التلقي ولا يسمح للطالب أن يعبر عن رأيه وانطباعاته عن النص مادام المؤلف قد قام بهذا الدور عنه. تقوم نظرية التلقي عند روزينبلات (1938) على علاقة الطالب بالنصوص الأدبية. فالنص الأدبي كالقصيدة مثلا ليست سوى مادة محضة ولكن القارئ بخلفيته وبإرشاد النص وعلاماته يستطيع أن يعيش ما تطلق عليه التجربة الأدبية من خلال التحاور الداخلي مع ذلك النص.
لم تلق روزينبلات الترحيب الكبير عند تأليفها هذا الكتاب لسببن كما يروي المؤرخون الأول كونها امرأة ولم يكن مألوفا حينئذ أن تكتب امرأة في موضوع دقيق كهذا، والثاني أن الموجة العامة حينئذ كانت موجة الفكر الفلسفي لا طرق التدريس وطريقة تحليل الطالب للنص فلم يلق كتابها الاهتمام والدراسة الكافيين فترة نشره، ولكن بعد عدد من العقود مازال الكتاب يطبع ويدرس في أنحاء العالم لأهميته. ولروزينبلات كتب كثيرة مؤثرة لمعلم اللغة مثل كتاب "القارئ، النص، والقصيدة" والذي تشرح فيه بإسهاب علاقة القارئ (الطالب خاصة) وعمليات الانتقال والحوار التي تحدث أثناء قراءة القصيدة. فالقصيدة مثلا عند روزينبلات ، كما استفادت من نظرية أيسر Iser في النقد، مجموعة من العلامات والرموز والتي بدورها تحدد طريقة التدريس الملائمة.
الفكرة العامة لمؤلفات روزينبلات قائمة على كيفية التفاعل والحوار الداخلي الشخصي بين المتلقي والنص دون تأثير من المعلم وانطباعاته. فبغض النظر عن كون النص بسيطا أو معقدا فإن القارئ ينشئ نصا موازيا له في عقله يتوافق مع خبرته وخلفيته العلمية وبيئته وثقافته ونفسيته. فقراءة النص ليست شيئا بسيطا كما نظن. لأن القارئ يجب أن يظل مخلصا للنص من حيث دلالاته ويعمل بخبرته وخلفياته المتنوعة على فك رموز النص. لذا لا يمكن أن نؤول النص كلنا بنفس الطريقة، ولا يمكننا أن نؤولها بالضبط كما أرادها المؤلف الأصلي . وإلا لتوصلنا جميعا لنفس النتيجة بالضبط ولنفس الجماليات ولأصبحت جميع النصوص مملة ولم يكن هناك ما يستحق أن نطلق عليه اسم الفن. بتعبير آخر، لكل قارئ خلفيته التي يستند عليها لفهم النص وفك رموزه وكما يقول بياجيه " نحن نرى فقط ما نعرف" (Piaget, 1929) .
عندما يقرأ القارئ نصا معينا أيا كان شعرا أو قصة أو نصا علميا فإنه لا يعي حجم العمليات العقلية التي يقوم بها الدماغ لأجل جعل تلك الرموز المقروءة مفهومة وواضحة للقارئ. ولا يدري القارئ كذلك لماذا يتجاهل بعض الكلمات أو العناوين أو الهوامش (Goodman, 1968) فتؤكد روزينبلات هنا على دور المعلم في لفت أنظار الطلاب إلى بعض المحاور الأساسية في النص والتي لم يعتد الطالب الالتفات إليها ومساعدته في الكشف عن جماليات النص بمساعدة مدلولات النص نفسه. ومن ذلك نحن كمعلمين يجب أن نساعد الطالب على اكتشاف شخصيات المؤلف الحقيقى للنص وفهم فكرته، ولكن يجب أن نترك للطالب فرصة للحوار الداخلي الشخصي مع النص والتفاعل معه لإنشاء ذلك النص الموازي الخاص بالقارئ (Halliday, 1975) . باختصار هذه هي الفكرة العامة لنظرية التلقي عند روزينبلات. فكرة الدراسة تقوم على الاستفادة من نظرية روزينبلات في التلقي وإعادة اكتشاف النصوص الأدبية في صفوفنا عند تدريسنا للأدب بكافة أشكاله. تستفيد هذه الدراسة من دراسات هاليداي ورقية حسن عن النص وعلم اللغة، كما أنها مبنية على دراسات كين جودمان في تفسير عمليات القراءة وتطورها في ذهن المتلقي.التجربة الأدبية:
على المعلم الواع أن يلاحظ الطالب وهو يخوض غمار النص الأدبي راصدا جهد الطالب في الدخول إلى عالم النص بعقله معمِلا قواه العقلية عالية الكفاءة لفك رموز النص. بعد هذا الصراع مع النص، تصبح الكلمات ذات معنى عند المتلقى فيتأثر بها ويتفاعل معها تاركة أثرا كبيرا فيه. وعليه تكون بعض الكلمات مؤثرة لمتلق دون آخر كل حسب خلفيته وتجاربه في الحياة وعلمه وبيئته وثقافته ونفسيته ( Goodman, 1996) . يجب أن لا ننظر إلى النصوص المكتوبة على الصفحات على أنها رموز مرتبطة بأصوات منطوقة تسمى الكلمات، بل هي تاريخ كاتب بأسره وانعكاس بيئته وثقافته والتي تصبح ذات معنى وقيمة لدى المتلقي عند التفاعل وفتح الحوار أثناء القراءة وهو ما يسميه هاليداي ورقية حسن بالعلاقة الشخصية الضمنية (Interpersonal) بين النص والمتلقي (Halliday & Hassan, 1985) . فإذا وصل المتلقي إلى هذه الحالة من التآلف مع النص فقد عاش ما تطلق عليه روزينبلات التجربة الأدبية. ومثال على التجربة الأدبية تعريفها لقراءة القصيدة على أنها ليست أداة يستخدمها القارئ للوصول إلى هدف الكاتب أو البحث عن أسباب كتابة القصيدة ولكن القراءة الحقيقية بأن تعيش التجربة الأدبية بأن أن "تفعل" القصيدة وتجلبها للحياة (Rosenblatt, 1987) .دور المعلم في التجربة الأدبية
دور المعلم هو مساعدة الطالب على وضع يده على علامات النص ومدلولاته والتي تساعد في فهم النص والتعرف على مواطن الجمال فيه. ودور المعلم أن يساعد الطالب أن يتفاعل جيدا مع النص بنقل خبراته إلى النص والعكس. يبدأ الطالب القراءة النص لأول مرة وفي مخيلته أمرا سينتهي إليه النص، وكلما تقدم الطالب في القراءة تغيرت التوقعات أو اتضحت أو أصبح النص ذا معنى فيعدل الطالب توقعاته حسب دلالات النص وتطوراته وهكذا حتى يصل إلى نهاية النص. فدور المعلم باختصار هو مساعدة الطالب أن يعيش التجربة الأدبية بين الكلمات ومعاني النص ويتفاعل معها.المعنى الحقيقى بين النص و القارئ
في الحقيقة أن النص والقارئ يتفاعلان ويعملان سويا مع بعضهما البعض بغية الوصول إلى معنى (Rosenblatt, 1995). اللغة في الأصل نتاج اجتماعي والنصوص الأدبية تدور في نطاقات اجتماعية. النص لا يصبح ممتعا إلا إذا قرأه القارئ بنفسه وتفاعل معه. فالقصيدة مثلا لا تصبح رائعة إلا إذا عاش القارئ بين كلماتها وسطورها ومعانيها وتفاعل معها. وعلى ذلك نرى بعض الروايات التي تريح بعض القراء نفسها التي يمل منها آخرون مع أن النص واحد ولكن اختلاف القارئ وخلفيته بأبعادها غيرت معنى النص عند المجموعتين. إذا آمن المعلم بمصداقية هذه النقطة حرر الطالب من التقيد الحرفي بمفردات وكلمات النص في فهم وفك رموز النص وساعده على شحذ وتنمية خياله .قيمة النص الأدبي عند المتلقي
ما يضفيه النص الأدبي كالمقالة والقصة والقصيدة والرواية وغيرها ليست كم المعلومات التي قد ترتقي بثقافة المتلقي فقط بل تقدمها من منظور "العيش من خلال" وليس " المعرفة عن" (Rosenblatt, 1987). فالنصوص الأدبية التي نقدمها لطلابنا في الفصل ليست معلومات محضة بل لها أثر في إعادة صياغة شخصية المتلقي وتوجهاته وبلورة أفكاره وأيديولوجياته. فالقصة أو الرواية مثلا تقدم للمتلقى معلومات وخبرات متنوعة تنتقل للقارئ آليا من خلال عيش القارئ في النص وبين طياته. فيستطيع مثلا معرفة عادات بلد ما وأمثاله وحاراته ومشاكل أسره من خلال التفاعل مع قصة لدرجة وضع المتلقي في تلك التجربة. فبعد انتهاء القراءة يخرج المتلقى بكم هائل من المعلومات ليس لأنه عرفها عن ذلك البلد ولكنه لأنه عاش في ذلك البلد من خلال كلمات القصة. وقيمة النص الأدبي كذلك في تنمية الجانب العاطفي لدى المتلقى والتي تسرع من نموه العقلي. وكثرة التعرض والتفاعل مع النصوص الأدبية كالرواية مثلا تنمي حساسية القارئ تجاه المجتمع. فمن خلال قراءة منوعات من القصائد والقصص والروايات يتعرف القارئ على شخصيات متنوعة وخبرات ارتبطت بتلك الشخصيات وقد يختار شخصيات معينة ليعيش خلالها في أثناء قراءته. وأثناء القراءة تتبلور فكرة القارئ عن وطنه ومجتمعه وتلقيه للعالم أجمع.المتلقي والتفاعل مع النص:
عندما يقرأ الطالب نصا أدبيا فإنه يحضر ذاته بكل ما فيها من جوانب للتفاعل مع النص. من تلك الجوانب الجانب الديني لذا يستطيع أصحاب ديانة معينة مثلا باستيعاب نصوص وكلمات قد لا يستوعبها القراء من أصحاب الديانات الأخرى. عندما يتحدث بياجيه ( 1969) عن التلاؤم مع البيئة (assimilation) فذلك يحدث حتى في التفاعل مع النص، لأن الطالب يستخدم خبرته السابقة وجوانبه النفسية والاجتماعية وحضارته وطبقته الاجتماعية في التفاعل مع النص دون وعي لفك رموزه والوصول إلى معنى. وكما يقول امبرتو ايكو بأن النص كامن في ذاته ولا "يُفَعل"إلا في ذهن المتلقي (Eco, 1979) .كيف يستفيد المعلم من نظرية التلقي في التدريس:
- على المعلم أن لا يحاول إجبار الطلاب على التفكير مثله كأن يسألهم مثلا عن رأيهم في نص ثم لا يحترم رأيهم لمخالفته رأيه هو. فالمعلم قد تكون له خبرة عميقة بالنصوص الأدبية وتحليلها وفك رموزها والتفاعل معها ولكن ليست له الأحقية في فرض انطباعاته على الطلاب. يجب أن يعطى المعلم الطلاب المجال ليتفاعلوا مع النص دون ضغط وأن تكون لهم انطباعاتهم الخاصة حول المادة المقروءة. ونظرا لأن المعلم هو صاحب الخبرة فعليه مساعدة الطالب كيفية التفاعل مع النص وإعادة اكتشافه واكتشاف جمالياته.
- المعلم الناجح هو المعلم الذي يعطى الطلاب شعورا بالأمان للتفاعل من النصوص دون خوف من غضب المعلم إذا أعطى انطباعا عن نص ما خالف فيه المألوف أو رأي المعلم أو المجتمع. تعزيز الشعور بالأمان يحفز التفاعل الأمين مع النص دون تحوير لإرضاء أحد.
- الاستفادة كذلك من نظرية التلقي تكمن في إعطاء الطالب فرصة لاختيار القصة أو النص الذي يحب. فتعليق المعلم عند عرض القصة أو النص مثلا أنها قصة مملة ترسل أمرا خفيا للطلاب بالابتعاد عن النص.
- لأن النص في الأصل اجتماعي المنشأ فهو يرتبط بنواح دينية واجتماعية وتاريخية وجغرافية ونفسية وغيرها فدور المعلم أن يوضح تلك الجوانب للطلاب. فالطالب المسيحي مثلا قد لا يستوعب مكانة بعض الشخصيات الإسلامية أو الرموز أو التطبيقات أوالأحكام والتي يأتي دور ا لمعلم فيها ليزيل غموضها. وهذا يحدث أحيانا بين أفراد الملة الواحدة فيجب أن يكون المعلم واعيا لشخصيات الطلاب واختلاف خلفياتهم وبيئاتهم.
- عند شرح معاني مفردات نص ما فإن إعطاء دلالة الكلمة في المعجم ليست كافية. يجب أن يعرف الطلاب قيمة تلك الكلمة واستخدامها في الحياة والجماليات التي يمكن أن تضيفها تلك الكلمة على نص ما. فعلى المعلم هنا أن يحرر المفردات من إطاراتها المعجمية ليربطها بالعالم الخارجي أو الواقع إن صح التعبير.
- مساعدة الطالب على معرفة قيمة الأشياء من حوله والتي لم يكن ربما ليلقي لها بالا من قبل كأن تضع أيديهم على موسيقى قصيدة معينة وأيقاعها ، جماليات الألوان والأصوات من حولهم، والالتفات إلى تفاصيل كتابة النصوص من حولهم وما تتركه من وقع في النفس.
- اختيار النصوص الملائمة التي تساعد على الاتقاء بسلوك الطالب وأخلاقه وتذوقه الفني، لأن النص لا يأخذ معناه النهائي إلا في ذهن المتلقي، ولأن النص والمتلقي يتفاعلان لإنشاء نص موازي للنص الحقيقي فإن النصوص الأدبية لها تأثير كبير في سلوك المتلقي.
References:
Eco, U. (1979). The role of the reader : Explorations in the semiotics of texts. Indiana University Press.
Halliday, M. (1975). Learning how to mean. London: Edward Arnold.
Halliday, M., & Hasan, R. (1985). Language, context and text: A social semiotic perspective . Deakin University Press.
Goodman, K. S. (1968). The psycholinguistic nature of the reading process. Detroit, MI: Wayne State University Press.
Goodman, K. S. (1996). Ken Goodman on reading. Portsmouth, NH: Heinemann.
Rosenblatt, L. (1995). Literature as Exploration. New York: Modern Language Association.
Rosenblatt, L. (1978). The reader, the text, the poem: The transactional theory of the literary work. Carbondale, IL: Southern Illinois Press; (1994). Carbondale, IL: Southern Illinois Press.
Piaget, J. (1929). The Child's Conception of the World. NY: Harcourt, Brace Jovanovich.
Piaget, J. & Inhelder, B. (1969). The Psychology of the Child. NY: Basic Books.