التذوق
اللغوي عند الأطفال
أ.
بهاء الدين الزهوري
حقوق الطبع والنسخ والتوزيع خاصة بالشبكة
في مسألة تربية الأطفال ، تبرز أهمية اللغة كعنصر بنائي أساسي في حياتهم واللغة هي أساس التعليم ، والإنسان الذي يتعلمها هو إنسان نام وقادر على مواكبة النمو باستمرار ، وذلك يسبب كون اللغة نتيجة من نتائج النمو ، ومؤدبة إلى زيادته في الوقت نفسه ، وهذا ما يجعلها مظهرا من مظاهر الشخصية الإنسانية وعاملا من عوامل نموها وبنائها.
واللغة أداة تفكير وتواصل ، أي من صميم ما يحدد كيان إنسانية الإنسان ، لذا لا يمكن التعرف على الإنسان خارج الحقل اللغوي ، كما لا يمكن وجود لغة دون أناس: يتكلمونها . ومن دون اللغة ، لن يتمكن الشخص من معرفة أبعاده العميقة ، مثل الحرية ، والقيم ، والتملك . وبما أن اللغة ملتقى مجموع أبعاد الشخص ، وجب أن تتبوأ المرتبة الأولى في حياته.
واللغة ليست شيئا خاصا بفرد ، بل ملكا مشتركا ، إنها بين المرء وشعوره بين الشعور كحالات وأحاسيس ، وبين إبرازه كأحداث وأفعال . ولغة الإنسان تلزمه أمام نفسه وأمام المجتمع ، وتفيد سلوكه ، وتفرض عليه مسؤولية . ويتدرج الإنسان من كائن متكلم إلى كائن له كلمة ، أي يفي بالعهد وبالكلمة ، ومعنى ذلك أن الطابع الشخصي للسلوك الفردي ، من الناحية الأخلاقية ، هو المحافظة على الكلمة وذو الكلمة ، هو أيضا ذو سلطة ، ما دامت الكلمة قوة تخول صاحبها أن يتصرف في الكائنات .
التذوق اللغوي والفني:
تتعلق الاعتبارات التربوية و(السيكولوجية ) لأدب الأطفال بناحيتين:
1- مراحل النمو عند الأطفال ، وعلاقتها بخصائصهم ؛ بما في ذلك : الفروق الفردية والبيئية والاجتماعية.
2- مراحل النمو اللغوي عند الأطفال ، بما في ذلك مشكلة القاموس المشترك للطفل ومراعاة السمات المميزة للغة العربية ، وأساليب الكتابة ومواقف الأطفال منها.
وينبغي أن تتمشى طرائق تنمية التذوق اللغوي ، مع الاعتبارات التربوية السابقة ، وأجناس أدب الأطفال الجيدة من قصة وقصيدة قصيرة وغير ذلك ، تعرف طريقها إلى وجدان الأطفال ، وتجذب انتباههم ، وتثير فيهم عوامل التقدير والإعجاب وتصل بهم إلى درجة التذوق ومراحل التعاطف والاندماج .
ويعرّف الذوق الفني : بأنه ملكة الإدراك والتمتع بما هو جميل في الفن والأدب 1. و كان الفيلسوف الألماني (كانت) صاحب أول دراسة منهجية للذوق الفني وتمثل هذه الدراسة قسما من كتابه (نقد الحكم ) الذي صدر عام 1790 م . ويعرف الذوق2
وتذوق الشيء معناه ، كما يقول (د.ستانلي جاكسون) : إدراك قيمته إدراكا يجعلنا نشعر شعورا شخصيا مباشرا ، وفي الوقت نفسه نشعر حياله برابطة وجدانية ، تدفعنا إلى تقديره وحبه ، والاندماج فيه بحرارة وحماسة3 .
وإذا كان التذوق أمرا يغلب عليه الوجدان أو الانفعال ، فإنه إلى جانب ذلك يتصل بالتفكير ، ويحتاج إلى قدر من الفهم ، ولهذا نكون أكثر استعدادا لتذوق الشيء إذا ما فهمنا معناه.
وللتذوق على هذه الصورة ، أهميته الخاصة في مجال التربية ، لأسباب ، منها:
1- إنه يحوي بين طياته إدراكنا لقيمة الشيء ، وارتباطنا الوجداني به4.
2- إن اللغة وما تضمنه من تراث أدبي ، هي وسيلة من أهم الوسائل التي نتعرف عن طريقها على عالمنا حاضره وماضيه ، وما لم نصل إلى درجة مناسبة من فهم اللغة وتذوقها ، فلن نستطيع أن نفهم هذا التراث ونتذوقه حق التذوق.
3- إن اختيار ألفاظ اللغة ، وفهم دقائقها ، واستعمالها بوضوح وتحديد ، لا يتم بصورة مرضية ، ما لم نصل إلى مرحلة تذوق اللغة .
4- للتذوق صلته الوثيقة بالذوق السليم ، وتكرار التذوق يكسب الفرد معايير ذوقية سليمة ، تنعكس على تصرفاته الأخرى ، فنراه يقدر كل ما هو جيد ، ويهدف في عمله إلى الإجادة والإتقان.
5- وأخيرا ، فإن التذوق اللغوي يزيد من استمتاع الفرد بلغته ، حين يستعملها في الحديث أو الكتابة أو القراءة أو الغناء.ويزيد من استمتاعه بحياته ، ويفتح له آفاقا رحبة فسيحة حين يقضي بعض وقته مع كبار الكتّاب والأدباء والمفكرين على صفحات كتبهم.
تربية التذوق اللغوي
إن البحث في الذوق ، من حيث أنه فطري أو مكتسب ، أمر لا يعنينا التوغل في بحثه وإنما الذي يعنينا أن نؤكده ، هو أن في الذوق قدرا مكتسبا ، هو الجانب العملي المكون من طول الممارسة والمصاحبة ، لأكبر قدر من الآثار الفنية ويفيدنا هذا الكلام في تربية التذوق اللغوي عند الطفل.
وثمة عوامل تساعد على تربية التذوق اللغوي عند الطفل ، منها :
1- كثرة الممارسة : لكي يتذوق الطفل ألوان الموسيقى ، ويجب أن نسمعه كثيرا من الألحان ، ولكي يتذوق ما في الأدب من جمال، يجب أن نمده بكثير من ألوان الأدب الجيد عن طريق القصص والأغاني وما إليها ، أما الوقوف عند ما هو دون الكفاية في هذا المجال ، فلا يصل بالناشئ إلى درجة كافية من التذوق الفني5.
2- الطريقة المتبعة في تعليم اللغة : وتعد الطريقة التي تعلم بها اللغة عاملا من عوامل التحصيل ، وسبيلا من سبل التذوق اللغوي ، إذا ما توافرت فيها الشروط التالية :
أن تتيح للطفل فرص التدريب على الممارسة اللغوية ، في مختلف المواقف ، وتزيل عنه دوافع التهيب والخجل .
أن تكون الظروف التي يتم فيها تعليم اللغة، أقرب ما تكون إلى الظروف الطبيعية.
أن تخلق الرغبة في الممارسة ، وتشجيع المحاولات التي يبديها الطفل في هذا الصدد.
أن تعتمد الوسائل المثيرة ، والمساعدة على تشخيص الأحداث والأوضاع والعلاقات التي تتخذ منطلقا للتدريب على استعمال اللغة.
أن تراعي طبيعة النمو اللغوي عند الطفل ، بحيث تركز على الفهم أولا والاستعمال ثانيا ،وعلى التكامل بين التدريب المباشر والاستعمال التلقائي.
3- كثرة القراءة : وتظل القراءة من أهم وسائل إتقان اللغة ، وعاملا من عوامل التدريب على استعمال وفهم عناصرها ، ولا تكون كذلك إلا إذا استثمرها المعلمون، واتخذوها مصدرا لتعليم اللغة وتنمية التفكير وتربية التذوق والتدريب على تحليل الأفكار المكتوبة ونقدها وتقدير قيمتها.
4- جهود الأطفال الابتكارية : وكثيرا ما يستطيع الأطفال بخبرتهم القليلة ، أن يكونوا مبتكرين بدرجة لا تخطر لنا على بال . والتوجيه الرقيق الواعي لجهودهم الابتكارية في كتابة القصص والقصائد والتمثيليات القصيرة وما إلى ذلك ، يقدم مساعدة قيمة في عمليات استثارة تذوق الأطفال للأسلوب الأدبي6.
وأخيرا ، إذا كان التذوق عملية مكتسبة ن فإن الالتفات إلى تنميته عند الطفل أمر بديهي ، لأن مرحلته العمرية تعين على عملية الاكتساب ، ونأمل أن يحتل أي أسلوب من أساليب اللقاء بين المربي والطفل ، مكانة مرموقة في تنمية التذوق عند الطفل ، وخصوصا التذوق اللغوي، لأن لغتنا العربية ، هي لغة القرآن الكريم الأجدر بالتعلم ، وهي الرابطة التي تربط بين أبناء الأمة ، وتجمع كلمتهم ، وأن أي تفريط فيها يؤدي إلى ضياع فكري ، وتباعد بين الماضي والحاضر.
1- د: محمد عبد السلام كفافي : في الأدب المقارن ، دار النهضة العربية ، بيروت ،ط1 ،1971م ، ص109
2- المرجع السابق ، ص110.
3- أحمد نجيب : فن الكتابة للأطفال ، دار اقرأ ، بيروت ط2 ، 1983 م، ص95.
4- المرجع السابق ، ص96
5- المرجع السابق، ص97
6- المرجع السابق، ص98