:: قراءة الرسـوم المتحركة العالميـة بعين عربية ::
مرحباً بكم في منتديات شبكة حروف لطرق تدريس مهارات اللغة العربية
مرحبـاً بالمربي الفاضل في شبكة حروف المتخصصة في طرائق التدريـس والإجابة عن أسئلتكم التربوية
     {قراءة الرسـوم المتحركـة العالمية بعين عربيـة} 

   :: د. كريمـة مطـر المزروعـي :: 

  |\ كليـة التربية - جامعة الإمارات العربية المتحدة /

 حقوق النسخ والطبع والتوزيع خاصة بالشبكة


        قد تلجأ بعض الأسر إلى حذف بعض القنوات من جهاز التلفاز ومنع مشاهدة بعض البرامج، ولكن هل فطن المربين إلى الخطر القادم من بعض برامج الرسوم المتحركة التي لا تقل خطرا عن غيرها من البرامج المحذوفة؟ تابع معي قراءة المقال وشاركني مصداقية النقد والحديث. يزعم  آريل دورفمان أن المجتمع يطوع بالأدب المقروء والمشاهَد و ذلك عن طريق القيم والمفاهيم التي تنفذ خلال جلودنا دون أن نشعر حتى تشكل تلك المفاهيم والقيم مجتمعا مطوعا دون أن يشعر. لقد تربت أجيال كثيرة على بياض الثلج وزوجة أبيها الشريرة، ونام أطفالنا وهم يحلمون أن يصبحوا سلاحف للنينجا. تلك الثقافة وذلك الأدب الأجنبي أصبح جزء لا يتجزء من مجتمعنا العربي. و لو توقفنا قليلا عند بعض القصص التي  شاهدناها أو قرأناها صغارا واختبأت في اللاشعور لاكتشفنا أن ذلك الأدب يتجاوز فكرة انتصار الخير على الشر في النهاية إلى قضايا أخلاقية و عرقية ودينية تشربناها دون أن نشعر. فلم تعد الرسوم المتحركة مجرد صور متحركة نضع أمامها أطفالنا حين نضجر منهم بل هي أدوات تطوع المجتمع وتصيغ فكره. وعلينا كمربين أن نقرأ تلك الرسوم المتحركة بعين عربية وأن نقف عند فكرة الرسوم ونتفحصها بدلا من "المشى على الكلمات" كما يصورها التربوي البرازيلي باولو فريري.

        منذ نعومة أظفارنا  علمتنا الرسوم المتحركة كيف نشترى ونبيع وكيف نحارب وكيف ندافع عن آرائنا ومن هي المرأة الجميلة وما هي مواصفات الفارس. كما تشربنا كره زوجة الأب وعرفنا أن المجتمع لا يستقيم إلا بالطبقية وأن الطبقة الغنية العليا تنتمي لللعرق الأبيض وبقية الأعراق خلقت للسخرة. وتعرفنا على مجموعة من الآلهة لكل واحدة منها اختصاص، كما اقتنعنا أنه لا خطر من الخروج من المنزل بمفردنا مادامت ساندريلا و ساندي بل بخير. باختصار لقد علمتنا الرسوم المتحركة كل شيء عن الدنيا وأهم من ذلك كله علمتنا أن لا نقاوم.

صورة المرأة في الرسوم المتحركة العالمية:
        كانت المرأة كبطلة في الرسوم المتحركة مغيبة لفترة طويلة وكان النمط السائد هو البطولة الذكورية، المرأة في الرسوم المتحركة العالمية غالبا فتاة ضعيفة مغلوب على أمرها كسندريلا وبياض الثلج ورابونزل وهي فتاة فائقة الجمال تقع تحت اضطهاد زوجة أبيها. فزوجة الأب دائما شريرة متربصة ببنات الزوج المسكينات. وتلك الفتاة الضعيفة هدفها في الحياة انتظار الفارس الذي سيخصلها من مشاكل منزلها وذلك الفارس كما تصوره الرسوم المتحركة فارس قوي البنية غني. فأصبح الخلاص لكل مشكلة تواجهها الفتاة هو البحث عن ذلك الفارس الذي سيتحدى جميع الصعاب من أجلها بحصان أبيض. فالسعادة و الهدف بالنسبة للمرأة كما تصورها الرسوم المتحركة هو الظفر بالفارس أو الأمير وحصول التغير في المظهر عن طريق ارتداء ملابس فاخرة وتسريحة جميلة.
 
        والمرأة في الرسوم المتحركة العالمية كذلك امرأة شقراء بيضاء رشيقة كباربي ولا يمكن بأي حال أن تكون بطلة قصة أمرأة آسيوية أو أفريقية أو حتى من الهنديات الحمر. فنمط المرأة الحلم نمط ثابت ومتوقع. فالمرأة البدينة لا مكان لها في القصة إلا أن تكون شريرة وقبيحة و مترصدة لبطلة القصة البيضاء الرشيقة، ونستطيع أن نتوقع إذن من أين أتت إلينا صورة أن كل فتاة بدينة بلهاء غيورة. وقد أدت تلك النظر السطحية إلى المرأة إلى تشييئها. كما أدت تلك الأفكار إلى انتشار ما يسمى بمتلازمة باربي وهو الهوس بالحصول على جسد مشابه لجسد باربي. ونظرا لأن باربي شخصية مقاسة بموازين شبه مستحيله فقد أدت تلك المتلازمة إلى إصابة الكثير من الفتيات بأمراض التغذية مثل الأنوركسيا والبوليميا.

        وتأتي صورة المرأة كذلك بصورة المستعرضة لمفاتنها المرتدية من الثياب أقلها كصورة المرأة في قصة الأرنب السريع لوني ذا تون
Looney Tunes فالمرأة في تلك النوعية من القصص لا هم لها لا وهدف إلا الظهور بين حينة و أخرى مبدية مفاتنها وهي كما نتوقع امرأة بيضاء رشيقة فائقة الجمال. وإذا كانت بطلة القصة قبيحة كقصة البطة السوداء القبيحة فإنها حتما لن تجد من يصادقها إلا لو تحولت في النهاية إلى بجعة فائقة الجمال.  ففكرة تلك الرسوم تشي أن في هذه الدنيا لا مكان لمن لم يحظ بقدر كبير بل كبير جدا من الجمال.  والعجيب أننا لو حاولنا أن نقص تلك القصة على أطفالنا سنجدنا نقول كلاما لا معنى له ويفتقر للقيم الأخلاقية ولكننا تقبلنا تلك الرسوم دون جدال وتفكير و مقاومة ونحن نشاهدها من خلال الشاشة الصغيرة.

العنف وسلاحف النينجا:
        تحظى سلاحف النينجا Ninja Turtles بشعبية فائقة وهذه الرسوم تصور في كل حلقة مجموعة من سلاحف النينجا تحارب الشرير في شوارع المدينة دون أن يصابوا بأي أذى. تصور تلك الرسوم للطفل بأن العنف لا ضرر منه وهو الحل الوحيد للتعامل مع من لا نتفق معهم. كما تصور تلك الرسوم عدم احترام السلاحف لأمن المدينة وسكانها فهم يفعلون ما يحلو لهم بالتذرع باسم محاربة الأشرار. وسلاحف النينجا نموذج واحد فقط على نماذج العنف المتنوعة الذي تزخر به الرسوم المتحركة. وأثر العنف على الأطفال والمراهقين كبير جدا. فقد أثبتت الدراسات أن مشاهدة الكثير من العنف في التلفاز يقود المشاهد إلى الجريمة في الواقع، كما يؤثر العنف سلوكيا على الأطفال من خلال تحويلهم إلى فتوات bullies في المدارس والحي، وتعليمهم وسائل السرقة والعنف المختلفة، هذا بالإضافة إلى المشاكل النفسية مثل التبول الليلي، ناهيك عن المشكلات الاجتماعية. و من أكثر الرسوم المتحركة التي أثرت في أطفالنا "بيكاتشو" ذلك المخلوق الأصفر العنيف والذي أودى بمشاهديه الصغار إلى أكثر من حالة انتحار واحدة في الدول العربية.

الطبقية والعرقية في الرسوم المتحركة:
        من هم العمال والكادحون في الرسوم وينتمون لأي عرق؟ ومن هم الأغنياء وينتمون لأي عرق؟ وهل رسم الطبقات الاجتماعية بأعراق مختلفة باختلاف الطبقة جاء صدفة أم يرمي لرسم خطوط للمجتمع وتوضيح ساداته وعماله؟

        على سبيل المثال قصة قصة الخنازير الثلاثة التي  تطلب منها امها أن تفعل كل ما بوسعها لتتمكن من العيش في هذا العالم فتقوم الخنازير ببناء بيوت لها  أولها بني من قش والثاني من عصي والأخيرمن طوب، فداهمهم الذئب. وهذا الذئب بغض النظر عما يرمز إليه في القصة يستطيع بنفخة واحدة الإطاحة بالبيتين الأوليين وأكل الخنزيرين. والنتيجة أن التمتع بالحياة والخلود لا يكون إلا من نصيب آهل البيت المصنوع من الطوب.
و لا يجوز أن نمرر تلك القصة دون تأمل لما وراء رموزها. ليندا كريستينسن في مقالها " فك رموز الرسوم التي تلوي عنقنا" تشرح كيف أن بيوت الطوب معروفة في أوروبا وأمريكا بينما يعيش سكان بعض بلدان آسيا في بيوت من قش للتناسب مع البيئة وليس لكسلهم أو جهلهم. و لاتعلم هذه القصة الأطفال التنوع البيئي واختلاف شكل البيوت تبعا لها، بل تبث فيهم أن البقاء للأقوى لسكان الطوب وكل من سكن القش والعصى يذهب هباء. ولأن الانتقادات زادت على الرسوم المتحركة الأمريكية بشكل خاص الذي يفضل عرقا على آخر فإن شركة ديزني جعلت بعض شخصياتها الحديثة من أعراق متباينة أخرى كمولان وبوكاهونتاس عسى أن تغفر تلك الشعوب تجاهل الأدب لها فترة طويلة من الزمان.

        لقد كان هدف هذه الدراسة  لفت النظر إلى أخلاقيات وسلوكيات تتسرب إلى أطفالنا دون وعي، فقضية تشييء المرأة، علاقة الخادم والمخدوم، صورة جسد المرأة المثالي، هدف المرأة في الحياة، سيادة العرق الأبيض، تنميط صورة زوجة الأب والفتاة البدينة، إباحة العنف وغيرها قضايا لا يمكن تجاهلها. وعلينا كمربين أن نراقب ما يشاهده الطفل والمراهق وأن نصحح له المفاهيم فليس من حق على بابا أخذ مال اللصوص باسم الفضيلة، ولا يصح أن تبحث الفتاة عن حيل لإدخال الفارس منزلها كما فعلت رابونزل مثلا. وعلينا كأسر أن ننشر الوعي بين بقية الأسر حتى يميزوا الخبيث من الطيب. ولله الحمد فإن البدائل  الطيبة متوفرة ولكن علينا أن نبذل المزيد من الوقت للانتقاء والتقرب من عالم الصغار.
 

 

 العودة إلى فهرس دراسات الأسرة العربية