أبناؤنا والعزوف عن لغة الضاد

د. كريمة مطر المزروعي

 جامعة الإمارات العربية المتحدة
حقوق النسخ والطبع والتوزيع محفوظة

          اللغة الإنجليزية كما يبين بحث أجراه المجلس البريطاني هي اللغة الرسمية لخمس وسبعين دولة على الأقل بكثافة سكانية تقدر ببليونين نسمة. كما أن اللغة الإنجليزية تعتبر اللغة الثانية لحوالي 375 مليون نسمة حول العالم. ويتوقع البحث أن تفوق اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية لبعض الدول لتكون اللغة الأولى لحوالي 750 مليون نسمة. ووفقا لمنظمة اليونسكو فإن أكثر اللغات استخداما على التوالي هي اللغة الإنجليزية والصينية في المركز  الأول، والهندية الأوردية في المركز الثاني، الأسبانية في الثالث، الروسية في الرابع، ثم العربية والبنغالية في المركز الخامس.
          اللغة بشكل عام ليس مجرد أشكال هندسية وأًصوات تستخدم للتواصل. فاللغة هوية وسياسة ودين وحضارة وثقافة.  والانسلاخ من اللغة يقود إلى الانسلاخ التدريجي من كل ما ترتبط به اللغة من نواح. واللغة العربية لها خصوصيات ليست لمثيلاتها من اللغات كونها لغة القرآن.. فتشومسكي يرى أن الإنسان يولد معدا داخليا ومجهزا لاستقبال اللغة ويرى آخرون أن الأبناء يتعلمون اللغة منذ ولادتهم عن طريق احتكاكهم بالبيئة المحيطة بهم. وأينما كان الصواب، فإننا كمربين نلاحظ كثرة شكاوى الآباء والمربين في الوقت الراهن من تدني مستوى الطلاب في اللغة العربية وتحسنه باضطراد في اللغة الإنجليزية. كما نلاحظ تذمر الكثير من الأمهات أن أبناءهم يلعبون ويتخاطبون مع بعضهم البعض باللغة الإنجليزية.

   فما المشكلة ؟ وهل هي فعلا مشكلة تستدعي القلق؟ وهل الموضوع موضوع درجات يجب أن يرفعها الطالب في اللغة العربية ؟
 في هذا الموضوع نتعرض لأسباب وحلول لعزوف أبنائنا عن لغة الضاد.
 

أسباب عزوف أبنائنا عن لغة  الضاد:
1-  
التطور الحضاري وحملات التغريب: في الوطن العربي حلت موجة تطور على الصعيد العملى والعلمي والثقافي بشكل هائل في مدة زمنية قصيرة فأصبح العالم يتحدث اللغة الإنجليزية لأنها لغة العلم ولغة التكنولوجيا. كما أصبحت اللغة الإنجليزية أساس سوق العمل فمن يتقدم لوظيفة مرموقة يجب ان يجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة. واللغة الإنجليزية هي لغة العصر و لغة العالم أجمع الآن نراها في كل مكان حتى لو أغلقنا علينا باب بيوتنا على مكيفاتنا وسياراتنا وأجهزتنا الكهربائية وحتى على لوازم الطفل والمطبخ. فنرى اللغة الإنجليزية متلازمة وموضع الند للند للغة العربية في كل شيء وذلك مراعاة للثقافات والوافدين المقيمين في دولنا العربية. ولا ينكر أحدا دور اللغة الإنجليزية كونها لغة التكنولوجيا والعلم والإنترنت والتواصل مع الحضارات والعلوم الأخرى.
2-  
المدارس: انتشرت المدارس الأجنبية بشكل كبير جدا في الوطن العربي وأصبحت اللغة الإنجليزية تدرس مع دخول الطفل المدرسة وقبل دخوله الصف الأول الابتدائي فالمناهج والقصص المقروءة تدرس باللغة الإنجليزية والتي لا تنقل فحوى القصة فقط بل ثقافة كاملة للغة دخيلة. وكلما زاد تدريس مقدار اللغة الانجليزية قل التركيز على اللغة العربية بكل ما تربط به من نواح فيقل بالتدريج معرفة الابن بالدين والشخصيات الإٍسلامية وجغرافيا وتاريخ الوطن العربي وآمال وآلام الأمة العربية وبالتدريج يحدِث الانسلاخ اللغوي انسلاخا ثقافيا ودينيا.
3-  
كثرة الوافدين وسهولة الاتصال: نظرا للانفتاح الحضاري والاقتصادي الكبيرين زاد دخول الوافدين من الدول الأجنبية (التي لا تتحدث العربية) وأصبح من السهل أن نتحدث لغتهم بدلا من تحدثهم لغة البلد الذي هم فيه. وهذا الشيء نراه مقتصرا على دولنا العربية فعند السفر إلى دولة أجنبية لا نرى البائع يغير لغته من أجل الزبون ولا يتنازل أفراد الدول الأجنبية عن التحدث بلغتهم مع الغريب. ولكن الأمر نراه مقلوبا في عالمنا العربي فنقلب ألسنتنا إلى الإنجليزية بمجرد مشاهدتنا الأجنبي الزائر أوحتى في حياتنا العادية في معاملات البيع والشراء من البياعين الأجانب.
4-  
وسائل الإعلام والثقافة: معظم الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة التي يشاهدها الأطفال والمراهقين الآن باللغة الإنجليزية. وحتى قصص الأطفال تلاقى رواجا كبيرا لجودة الكتابة والرسم والتصميم والإخراج والموضوع. ففي الدول الأجنبية الكبري كأمريكا مثلا فإنهم يدفعون ملايين الملايين لإخراج قصة رسوم متحركة للأطفال بجودة وكفاءة عاليين ولا يقارن ذلك بالمبالغ البسيطة المتبرع بها لكتابة رسوم عربية ذات مضامين إسلامية تربوية. ونجد أطفالنا ينساقون نحو الرسوم الأجنبية دون العربية لأنها مصممة ببراعة تامة تناسب الطفل واهتماماته حسب عمره مهما خالفت تلك الرسوم عادات وثقافة البلد الذي ينتمي إليه. ونرى الآن معظم المكتبات العربية زاخرة بالمجلات الأجنبية التي تهتم بالموضة وكمال الأجسام وأخرى موجهة لشريحة المراهقين والمراهقات إلى غيرها من قصص الأطفال والكتب المسلسلة والتي إن لم تكن أجنبية كانت ترجمة خالصة عنها.
5-     
ضعف اللغة العربية في المنزل: في معظم بيوتنا خدم لا يتحدثون اللغة العربية، وأمهات وآباء يقضون معظم النهار في العمل ولا يجدون الوقت الكافي للتحدث مع أبنائهم عند العودة، وأولياء أمور يفضلون التحدث باللغة الانجليزية لأنها تضفي عليهم طابعا بريستيجيا وتوحي بعلمهم الوافر بلغات أخرى. ونزيد عليها هنا مشكلة الزواج من الأجنبيات. فينشأ الأطفال في منزل في مثل تلك الظروف لا يعرفون ولا يحسون أهمية  اللغة العربية ولا يعرفون أبرز شعرائها ولا كتابها ولا جمالياتها.           

          فاللغة الدخيلة عندما تدخل إلى بلد له خصوصيته وثقافته ولغته ودينه فإنها تدخل معها ثقافة غريبة على لم يألفها المجتمع. قد لا يستيغها المجتمع في البداية ولكن كثرة التعرض لموارد ا لثقافة الأجنبية من حولنا في كل مكان يقلل القدرة على المقاومة من أجل الحفاظ على لغتنا وثقافتنا.

الحلول:
إذن مسألة التخلي عن اللغة العربية لأجل لغات أخرى مسألة كبيرة وذات أثر كبير على الصعيد الثقافي والتربوي والديني لجيل المستقبل ويجب ان نتنبه لذلك بتحبيب أبنائنا في اللغة العربية عن طريق الوسائل الآتية:
1-  
التحدث مع الأبناء باللغة العربية فقط في المنزل وجعلها اللغة الرسمية للتخاطب حتى مع الخدم: يجب أن يشعر الأبناء بأن آبائهم ومعلميهم من محبي اللغة العربية الجميلة ومتحدثيها البارين. ويجب أن نتحدث مع أبنائنا عن أهمية اللغة العربية لنا نحن كعرب ومسلمين.
2-  
عدم مدح الأبناء أو أبناء الغير عند تحدثهم باللغة الانجليزية على حساب العربية: كأن تخبر الأم صديقاتها مثلا على مسمع من الابن أنه متميز جدا في اللغة الإنجليزية ويفوق أقرانه فيها ولكن درجاته ضعيفة في اللغة العربية. ستصل الرسالة للطفل على النحو التالي إلى اللا وعي: اللغة الانجليزية لغة جيدة وأمي تمدحني بها أمام صديقاتها وهي نقطة قوة يجب أن أعتمد عليها. ولا يبدو لي انها متضايقة من ضعفي في اللغة العربية فعلمي الكبير باللغة الانجليزية لغة العصر والتفاخر تغنيني عن تعديل مستواي في اللغة العربية.  
3-              
بالمقابل عدم السخرية عند خطأ الطفل في التحدث بالعربية ومعايرته: فاللغة مهما كانت تعتبر من نقاط القوة التي يستند عليها مستخدمها للتواصل ومهاجمة نقاط القوة تلك تجعل المتحدث يتنازل عنها لأجل مراكز قوة أخرى موجودة فيه كاستخدام اللغة الإنجليزية التي يجيدها بدلا من العربية التي يخطئ فيها. ومن هذا المنطلق كذلك عدم إسكات الطفل وتصحيح كل كلمة يقولها بالعربية فلا نريد ان نوقف انطلاق الطفل في استخدام اللغة العربية لخطأ في استخدام حروف الجر أو التذكير والتأنيث مثلا.
4-     
تشجيع استخدام اللغة العربية في المنزل:  
‌أ-
عن طريق  القراءة كأن يجمع رب الأسرة أسرته حول كتاب جميل ثم تتم المناقشة والحوار.
‌ب-
السماح فقط بمشاهدة البرامج و والرسوم المتحركة العربية.
‌ج-
عمل مسابقات لكتابة القصة والشعر مثلا أوقراءة أكبر عدد من القصص العربية مثلا.
‌د-
عمل أنشطة مشتركة مثل كتابة بطاقات تهنئة للجد والجدة والأصدقاء باللغة العربية.
‌ه-
الألعاب التي تنمي استخدام اللغة العربية مثل الألغاز اللغوية وغير ذلك كثير مما يزخر به تراثنا العربي.
‌و-
ومن أكثر الوسائل تحبيبا وجذبا وتنمية للغة العربية هي قراءة قصص الأطفال كل يوم وتشجيع الأطفال على اختيار القصص التي تتناسب وميولهم. فأحيانا ينصرف الأطفال إلى اللغة الأجنبية كمورد للثقافة ليس لأنها اللغة المفضلة ولكن لعدم علمه بتوفر قصص ممتعة باللغة العربية.
‌ز-
وكذلك في السيارة فتشغيل الراديو العربي وسماع كل يوم الأخبار والمشاكل وحالة الطقس يربط المستمع بالعالم من حولة باللغة العربية ويجعله جزءا منه.
‌ح-
تشغيل الأناشيد الإسلامية التي تعزز قيم ومبادئ الإسلام واللغة العربية ومناقشة معاني المفردات ومفاهيم النشيد مع الأطفال في السيارة. فمثل تلك الأناشيد والأهازيج التراثية القصيرة تعلم الأطفال أن لغتهم ليست أقل قيمة من اللغات الأجنبية التي تزخر بأغاني الأطفال.
‌ط-
 وكذلك جعل بيئة المنزل بيئة زاخرة باللغة العربية عن طريق تعليق الأدعية في أرجاء المنزل واللوحات الفنية المحتوية على الخط العربي أو الأمثال أو الأبيات الشعرية.

5-   
إيجاد البدائل العربية للدخيل الأجنبي: يجب ان تزخر مكتباتنا المنزلية بالكتب والمجلات والقصص العربية المسلية والمفيدة التي لها القدرة على جذب الأبناء. فاللغة العربية لغة ثرية وجميلة ويجب أن نعرف أبناءنا على جمالياتها من خلال قراءة أبيات من الشعر الجميل والقصص التراثية والإسلامية. ومن البدائل كذلك التحدث عن شخصيات الصحابة وأعمالهم وصبرهم وجلدهم بدلا من تعريضهم طوال الوقت للشخصيات الأجنبية الخارقة مثل سوبر وبات مان. وتم إنتاج الآن الكثير من الرسوم المتحركة الإٍسلامية وبإخراج متميز لتحل محل الأجنبية.

          ونختم القول أن اللغة الإنجليزية لغة مهمة ولا يمكننا بأي حال من الأحوال تجاهلها أو تجاهل أهميتها كلغة التكنولوجيا والعلم والتواصل ولكن علينا أن نستقبل تلك اللغة بعين وسمع واعيين. ولانريد أن نكسب ثقافة وعلما على حساب ديننا وهويتنا ولغتنا الأم. فلنجعل من عقولنا مناخلا لا تسمح إلا بالسمين ليدخل إلينا وأما الغث فليأخذه السيل بعيدا عنا.

عودٌ على بدء عودة لفهرس دراسات الأسرة